أبي طالب المكي
105
علم القلوب
بالجنة يتنعمون ، وبكم تنعم الجنة ، فكيف من اللّه ترجعون ، فهنيئا لكم » « 1 » ، فهؤلاء الذين وحدوا اللّه ، فلم يستقر في قلوبهم تعظيم أحد غير اللّه . قال الحلاج : من أسكرته أنوار التوحيد ، حجبته عن عبادة التجريد ، [ و ] قيل : إن أسكرته أنوار التجريد نطق عن حقائق التوحيد ؛ لأن السكران هو الذي ينبئ عن كل مكتوم . وقال الشبلي : من اطلع عن ذرة من التوحيد ، ضعف عن حمل بقة لثقل ما حمل . وقال الفضيل بن عياض : يقول اللّه جل وعز في بعض كتبه : ما وحدنى من خاف من غيرى ، وما علم من لم يخش ، وما عبدني من لم يرض بقضائي وحكمي ، وما أحبني من استأنس بسواى ، عبدي أقبل على أعلمك من غير طلب ، وأرزقك من غير تعب ، تورع تعرفني ، تجوع تراني وتصل إلى ، اعمل بطاعتى ألبسك مهابتى ، أقبل على أملأ قلبك غنى بي وأسد فقرك . وقال الشبلي : من اطلع على ذرة من علم التوحيد ، حمل السماوات والأرضين على شعرة من جفن عينيه ، وهذا القول بضد من قوله الأول . ويقال : إن رجلا من تلامذة ذي النون المصري ، دخل مسجد أبى يزيد البسطامي ، فقال له أبو يزيد : من تطلب ؟ قال : أبا يزيد ، فقال أبو يزيد : إن أبا يزيد يطلب أبا يزيد منذ أربعين سنة ، لعله يجده ، إن أبا يزيد منذ شم روائح التوحيد ، لم يرجع إلى العبيد ، فأخبر بذلك ذا النون ، فقال : رحم اللّه أبا يزيد ، فقد نفسه ، فصار يطلبها مع الطالبين « 2 » . وقال الشبلي : الدنيا للأغنياء ، والجوع للفقراء ، والعقبى للأجراء ، واللأواء لأهل المحبة والصفاء ، والنار للأباق « 3 » من أولى العصيان والأشقياء ، والجنة للمتقين
--> ( 1 ) هذا الخبر إسرائيل الوضع ؛ لما فيه من محاولة التجسيد ، وإن كان ذا دلالة قيمة على منزلة الموحدين ، ومحاولة التجسيد فيه ، ما يظهر في أثنائه من ركوب المؤمنين إلى ربهم كأنهم يسافرون لزيارة عظيم من العظماء ، ومثل هذه الأخبار كانت أساسا لبعض الحركات الحنبلية المتأخرة في مسألة الاستواء والنزول وغيرهما ، وقد اتخذ بعض أعداء الإسلام مثل هذه الأخبار ذريعة لإدخال عقائد غريبة بيننا لازال خطرها يستشرى يوما بعد يوم . ( 2 ) في الأصل : يطلبه . ( 3 ) العبد الآبق الهارب من خدمة سيده ، والجمع أباق ، مثل كاتب وكتاب .